منتديات مدارج السالكين



 
الرئيسيةس .و .جبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 جيل نوفمبر رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه...

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
عبد الحكيم

avatar

عدد المساهمات : 84
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 57

مُساهمةموضوع: جيل نوفمبر رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه...   الأحد أبريل 18, 2010 8:30 am

هي كلمات قالها
المجاهد عبد العزيز بوتفليقة
في حق
إخوانه من جيل نوفمبر ممن رزقهم الله تعالى الشهادة في سبيل الله تعالى.
فقال
في شأن أخيه الشهيد العقيد أمحمد بوقرة
قائد
الولاية التاريخية الرابعة





...إنّ
التاريخ ليس أحداثا ووقائع تتواتر فحسب، بل هو نسيج يستمد حبكته من خصال
الرجال
الذين يصنعونه، ويكتبون صفحاته بدمائهم أحيانا. وهم إذ يفعلون ذاك، يصبحون
حقيقيين
بنقش أسمائهم في ثبت الخالدين فتتلقفهم ذاكرة الشعوب وتتعهد مناقبهم
بالرعاية
والتبجيل. وأما يوم فوزهم بالشهادة فإنه يتحول إلى عبرة تستنير بها الأجيال
المتعاقبة، وتسير على هديها. وإنّنا لا نحتفل بهذا اليوم على سبيل التذكير
والاستذكار فقط، وإنّما هو موعد لكي نتزود ثانية من هذا المنهل الثري
الصافي. ذلك
أنّ أولئك الأبرار حتى وإن كانوا في أعلى عليين هم "أحياء ولكن لا تشعرون"
فإنهم يبسطون أجنحتهم على شعبهم، ويترسمون آثار
الوديعة النفيسة التي تركوها بين يديه.



هاأنذا،
أخي الشهيد العقيد سي أمحمد بوقرة في هذا اليوم الموافق لذلك
الذي وقعت فيه حروف اسمك بالدم، أنحني
تبجيلا لروحك الزكية الطاهرة، وكلي اعتزاز بأن جهادك هو جهادي، غير أنّ
الحزن يملأ
قلبي و أنا أرى وطنك ووطني بعد مرور أربعين سنة على استشهادك واستشهاد
المليون
ونصف المليون من إخوانك وإخواني، قابعا في المنزلة الدنيا ولا يقوى على
التحرر من
ربقتها ليبلغ المقام الذي كنت تحلم له به وتريده له.



إنّك،
أيّها العقيد، تزورنا في هذا اليوم وبلادك قد صارت أمثولة تتجسد فيها
معايير
ومرجعيات هي غير تلك التي استشهدت من أجلها، أنت ورفاق دربك،
من أولئك "الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه"،
لذلك يؤسفني أن أقول إن بلادك، يا أخي السي أمحمد، أصبحت مرتعا للعبث
والتسيب، ليس
من شيمك وخصالك أن تقبل هذا أو ذاك، وما كنت تتوقع يوما يلصق فيه الاستشهاد
بالذلة
والمسكنة ويتحول الزكاء بالنفس إلى السمسرة بالوطنية. لقد تركت في وجدان كل
من
عرفك، آثارا لا تمحى من تواضعك ورصانتك، ونكران الذات. لقد ذهبت بنا بعيدا
يا السي
أمحمد في أحلامك وتصوراتك وطموحاتك في 1957م ونحن لازلنا في أحضان
الونشريس. سافرت
بنا إلى أبعد ما تصل إليه الأحلام والتصورات والطموحات لجزائرنا كما كنت
تحبها، لشعبنا
كما كنت تأمل أن يكون أنت وأقرانك. كنت وأقرانك من زيغوت إلى لطفي، ومن
ديدوش إلى
الحواس، ومن بن بولعيد إلى عميروش ومن بن عبد المالك إلى بن مهيدي، كنتم
نبراسا
يستضاء به على درب الإخلاص والغيرة على هذه الجرائر وما أدراك ما الجزائر.
واليوم
وإن كنتم في رحاب الله "مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين
والشهداء والصالحين"، أو لم يئن الأوان لكي تعودوا بين ظهرانينا؟ إنّ
الجزائر
والله، لفي حاجة إليكم وهي تناديكم اليوم وتلحّ عليكم في النداء باسم
جراحها
وأرزائها وأنقاضها واصطراعاتها، لكي تردوا إليها قيمها ومثلها العليا التي
تجسم في
نظر الشعب الجزائري برمته طريقا لا أمت فيه ولا إعوجاج.



أيّها
العقيد،
قد يستغرب بعضهم أن أتحدث إليك بمثل هذا الحديث، فما بالك بشباب لا يعرف
إلا النزر
اليسير من تاريخ بلاده المجيد!... وقد يبدو
من المفارقة أن نلجأ إلى من هم في رحاب الله لكي
يبعثوا الروح في الأحياء. لكن وأخاه، لا مناص من ذلك والأوضاع على ما هي
عليه.
إنكم بتضحياتكم الجسام ألبستم الجزائر حللا من العزة والكرامة، فأصبحت بذلك
قبلة
وموئلا وملاذا لكل الأحرار في العالم، ومنارة يهتدون بها من هذا المنطلق،
منطلق
تواصل الأجيال، والوفاء بالعهد، فإنه ليس هناك بد للأبناء والأحفاد من نفض
الخمول
عن أنفسهم فيستعيد إذاك ابن المجاهد هيبة الجهاد والمجاهدين ويسترد ابن
المناضل ما
كان للنضال والمناضلين من عفة ونزاهة، وينشر ابن الشهيد الإشعاع النوراني
المنبثق
من قدسية الإستشهاد والشهداء. بلادك، أيّها العقيد في حاجة إلى التمعن في
عطائكم
ذلك العطاء الذي قدمتموه بلا حساب، و هي
في مسيس الحاجة إليكم، وتلهف إلى أمثالكم أفتبخلون؟ لا والله! فأنت ابن أرض
طيبة
وشعب ضرب بجذوره عميقا في أرض خصبة معطاء، يحبها كما أحببتها أنت ورفاقك،
ألا
فهلموا إلى هذا الشعب وليس هناك أدنى شك أنكم ستجدونه، إن شاء الله، من
الشاكرين!







أخي
العزيز، إن الأمة التي أنجبتك، أنت و إخوانك، والأرض الولود التي رضعت
حليبها لا
قبل لهما بالعقر ولا بالعقم. فلا بد وأن يكون هناك رجال قد تلقفوا الشعلة
من
استشهادكم وما يحمله في أطوائه من معان سامية نبيلة. أجل،
إنهم موجودون، ولا ريب انهم هنا، وقد تيمنوا بظلالكم وبإشعاعكم
وعضوا بالنواجذ على رسالتكم الخالدة. ها هم توكلوا على الله جل وعلا،
ونذروا
أنفسهم نذرا خالصا للعمل والجد من أجل أن تتفتق في هذا البلد زهور الأمل من
جديد،
وترفع هاماتها على غرار تلك التي غرستها ذات يوم 5 ماي 1959
وسقيتها سقيا بدمك، كل دمك إلى آخر
قطرة.







وقال في شأن أخويه الشهيدين
العقيدين عميروش وسي الحواس




... رجلان
أقاما وجهيهما
لله والوطن حنيفا ودعيا منيبين إليه فبسط لهما جناحا من العزة والنصر في الدنيا وجناحا مما ارتضاه
لمصدقيه وأنبيائه
جنات الفردوس مأوى ومقاما.أيّها
القائدان عميروش والحواس، أيّها الشقيقان في الاستشهاد، لقد
حملتكما الجزائرفي
صلبها. وهناعلى
وهن بعدما رهلها الاحتلال واستل منها مقومات العافية فأوغر مخالبه الحادة في
أواصرها يفتت
وحدتها ويطمس معالمها ويغتال عزتها وحريتها. ولا عجب اليوم إذا كنا من أحرس الأقوام على
التباهي بتاريخنا
البطولي الذي كثيرا ما أثرناه على تاريخنا العلمي والحضاري لما
فيه من تضحيات
ولما اشتمل عليه من قيم الفروسية ومثل العزة والإباء.
فالجزائري أحرس الناس على سيادته وكرامته وأشدهم
مقتا
للظلم والقهر، لأنّ مخياله طازج بزخم الصراع والمنازلة والمقاومة
والاستشهاد، وأعتقد لو لم يكن المشروع الكولونيالي الذي نفذ على مدار القرن وربع القرن بكل تلك
الدقة والعمق في الاستلاب
وتدمير إمكانات المصالحة بين
عبقرية شعبنا مع
روح العصر لكنا
حققنا قفزة نوعية بوضع كافةمقدراتنا في مساراتها الحقيقية من حركة التاريخ ولما كنا
اليوم كما لا يتجاوز تأثير
استقطابه مجال الفضاء الاستهلاكي.



أيّها الإخوة الكرام... لست ممن تستهويه أغراض الفخر بالذات فتغدو النرجسية لديه مبتغى، ولا ممن يشنفه صوت
الماضي، فينسى أن يصغي للحاضر والمستقبل، ولا الجزائر بما هي عليه اليوم من متاعب يستخفها التغني بالأمجاد هربا
من مواجهة المستقبل
كلا وألف كلا.
لكن التذكير بالماضي هو عبور إلى المستقبل لأننا نؤمن بالتواصل والتكامل
والرقي
الدائم. فالثورة التي تعد بكل المقاييس إحدى أكبر إنجازات الإنسان من
حيث هي ملحمة
نازل فيها الحق الباطل فأزهقه وارتقى فيها الإيثار عن الأثر حتى استوت الفضيلة على
عيش الوجود.هي
جزء من تاريخ
شعبنا وهي التي انبجس من رحمها رجال ونساء تآزروا بالمجد حتى النهي. فمنهم من تسلق معارج الخلود إلى
الآخرة ومنهم من رابط على تخوم الحق
يذود عن حماه بما بقى له من
رمق،
فهذه الثورة كانت ومازالت مهدا للرجال
ومهدا للأفكار. لقد أسس العدو للحظة العدمية الدائمة
وجاءت الثورةلتؤسس
للحظة الخلق
والديمومة المجاوزة، وهي بعض تنبؤات
الشهيد محمدالعربي
بن مهيدي لما كانت الآلة لجهنمية تدمر جسمه للنيل من معنوياته فقال متحديا المنظومة
الكولونياليةالعالمية:
"أنتم أبناء الماضي المظلم، ونحن أبناء المستقبل المشرق". ما كان لهذا
الرجل أن تجري
على لسانه حكمة الحكماء لو لا أن رأى برهان الحق وقد تجلى في آيات
الفداء وصور الإيثار. وما كانت
عبقرية عميروش ونباهة الحواس، أن ترسم معالم مستقبل شعب وتأخذ
بناصيته على صراط قويم لولا بذرة الثورة الطاهرة
ذلك
الشمعدان الذي أضاء دهاليز العصر وفتت كوابيس الظلم وهزم جحافل
الغلاة الطواغيت. فطوبى لهما من رجلين إرتويا من سلسبيل الوطنية صبيانا حتى
ثملا وما نكثا عهدا وما تخلفا فأشهدا
نفسيهما على ما كان فيه الغلاة فاعلون وما
كان عليه غيرهم في أحاجيهم
يمترون فولوا
قلوبهم شطر الحق ولميتخلفوا
عن واجب الجهاد وهكذا هرع عميروش في تجنيد الرجال وإثارة الهمم وإدارة المعارك ضد
الأعداء فكان رؤوفا بالمجاهدين رحيما ببني
ملته من الجزائريين متواضعا
متسامحا محبا للعلم والعلماء شديدا على الأعداء والعملاء. لقد حول عميروش
جبال جرجرة
وكهوف تيرورده ومغاور لالة خديجة إلى خوارق الأساطير فأرعب جحافل العدو وأرغمه على حرب
الطيران
والغازات السامة المحرقة. وظل على العهد مجاهدا مخلصا إلى أن لقى ربه
رحمه
الله. ويكفيه فخرا أنه ممن أووا وناصروا واحتضنوا مؤتمر الصومام العظيم بعرين أكفادو
الحصين.



أما
ذلكم الشيخ الحكيم أحمد بن عبد الرزاق المدعو سي الحواس فهو من أولئك
الذين ما
وهنوا في سبيل الله
والجزائر وما استكانوا. فقد صابر في نضال طويل
بالحركة الوطنية حتى إذا بلغ الأمر شأوه كان من الأوائل ممن لبوا النداء
وظل على العهد يرد كيد
الأعداء وينازلهم في كل مكان
لاسيما في مناطقنا الصحراوية القاسية حيث
لا غابات ولا جبالولا
أودية تقي المجاهدين شظف الطبيعة والمحتلين
فكان الرجال يواجهون مصيرهم في العراء. تأكل
الطائرات من أجسادهم وتشرب الرمال من دمائهم وهم يرتلون قوله تعالى "الله أكبر" ثم "تحيا الجزائر".
كان سي الحواس أب الجميع دمث المعاشرة يقظا متنبها وحازما، وكان على
تواضع معرفته
حكيما بالسليقة ثاقب النظر لا تلومه في الوطن لومة لائم. وقد كتب
الله لهذين
الرجلين أن يكونا توأمين في الجنة وأن يزكيا أرض
الجزائر بدمائهما الطاهرة. فطوبى لهما من ابنين بارين
للجزائر.
فطوبى لجيل نوفمبر العظيم وأمد الله في حياة مجاهدينا ومجاهداتنا وثبت خطى
أجيالنا
الصاعدة على هديهم من أجل جزائر العزة والكرامة.



وقال في شأن رفيق
دربه
العقيد لطفي:




...كل عام
يبعث، إذ أن من رماد الذكريات يوادن فى قلوبنا لفجر البدايات، يذكرنا
بمواكب لرجال
قد لا يجود التاريخ بمثلهم إلا عرضا، ليس فى حياتهم لهو ولا أهواء ولا لعب
جاءوا
فأشعلوا نارا فإذا النار التي على العدو مشكاة توقد من مصباح الحق فأضاءت على العالمين. كان دمهم زكاة وأفعالهم
قيامة على المداخل ومرابطة على تخوم
الحق.



جاءوا
من أجل رسالة فرعها ثابت فى الجنة، ورحلوا من أجلها فاستسقوا شجرة الحرية
وأوفوا
بالعهد كل عام يفتح آذار كفه فتنبعث أسماء كشهب
ساطعة في فضاء سحيق فترصع في مخيلاتنا المتعبة بارتداد السنين وتطوح بنا في
متاهات
الملامح والتفاصيل فنهبت وراء واجهة كأنها الطلسم الذي قد من الحنين.
نستوقف
الأطياف نحسبها ذلكم الفتية الراحلون نفتش في مخزون الذاكرة عن كل دلالات البيان
لنكتب إنشاء في الكبرياء.



أيّها الرفقاء الراحلون...



أنتم
الذين تخيرتم من المواسم الربيع ومن الربيع آذار فاختصرتم ذلك المسافة
بيننا وبين
الزهور نلقيها على رفاتكم. وأنتم الذين هرولتم وأنتم في زهرة الحياة في
طوافكم بين
الحب والحب لترسموا خريطة الوطن كاملة. وأنتم من إليهم الجنة أزلفت فظللوا
بالغمام
وأنزل عليهم المن والسلوى وأنتم من تصدق على مستقبل الوطن بما تبقى لكم من
عبير
الذكريات. وأنتم من يوائم أبداً بين قابيل وهابيل كلما يجن حفار القبور
لرؤية
أسراب الغربان.



أيّها الرفقاء...



ما
أعظم نجواكم فأنتمالندى
والشحروب المتبقي عاصما لنا من كل هناء.



أيّها الشهداء...



سبحان
الذي أسرى بكم فى معراج الحق فاستوفيتم المشيئة كاملة وأوفيتكم بالعهد
كاملا.



أيّها
الجمع الكرام، يا رفاق لطفي الذي نجتمع من أجله اليوم، وبن مهيدي وبوصوف،
وبومدين،
وسي عثمان، وفراج الذي آثر الاستشهاد إلى جانبه، أمّا بوصوف الذي كان معلما
وقدوة
ومدرسة كل نهل منها بحسب ما أوتي من قدرة وحظ، وبومدين العملاق، وعثمان
عربون
البساطة
والتواضع، وبن مهيدى رمز العبقرية
ونكران الذات وزغلول وما أدراك ما زغلول، والحسين مدغري الذي أضاف إلى شرف
الحسب
والنسب شرف الجهاد في سفر وكتمان فضلا عن الإتقان والجودة في العمل التي
تشهد له
بها الْسِنة الكبار والصغار إلى يومنا هذا، والرائد سليمان
"القائد أحمد" الذي يحتفظ
بمكانة مرموقة في أفئدتنا لا يرقى لها أي وصف ولا يدنو منها أي تعبير
وغيرهم
وغيرهم والقائمة طويلة وما نسيناهم وما كان لنا أن ننساهم. ففي مثل هذا
الوقت
وأنتم لا شكتدركون
كيف رسم قائدنا وصديقنا الحميم لطفي آخر وصاياه بدمه أحد أيام آذار من سنة
1960
وهو مودعا على يقين من أنه ذاهب إلى أجله ولا مناص من الموعد ولا يكف يوصي
بهدوئه
المعهود وبساطته بالحفاظ على الأمانة، ولاشك كذلك أن عينه كانت على أخيه
فراج وما
أدراك ما فراج، الذي لا يربو إليه الشك أنه كان قلبا ونظرا على أخيه لطفي
على رمل
المداخل عبّد كلاهما بجثمانه الطاهر درب الوصول إلى نحر العدو، كان بإمكان
لطفي أن
يظل ثائرا ويختزل المسافة بين الداخل والخارج، ولكن ما كان بإمكانه أن
يختزل
الجزائر دون أن يزرعها واحة في قلبه ويسقيها بدمائه قبل الرحيل. هكذا عاش
لطفي
ومات من أجل الجزائر، لقد طرق لطفي المدينة والرفاهية وغرور الشباب وآثر
الجهاد
على طلب العلم،
وترك مقاعد الدراسة وهو يعد يافعا وكابر فى درب وَعر، فاختار أن يبيت مكلوم
الطرف
خاوي الجوى يتوسد الأحجار ويلتحف بجليل السماء. لقد تخير متحديا منازلة
الجيوش
الجرارة بآليات الفتك ومعدات القتل والإبادة الجماعية على زخرف الحياة
الرغيدة،
وهو في سنه تلك ينأى عن أترابه بما كانوا عليه من غفلة وما كان عليه من
وعي. لقد
آل على نفسه أن يتعلم أبجديات جديدة ونظريات أخرى غير تلك التي تعلمها في
مدارس
العدو، وأن يكتشف أن خريطة الوطن غير تلك التي رسمت أمام عينه من تمنراست
إلى دان
كراك. وأن يردد نشيداً دونما نشاز واقع وزنه لحن الرصاص ونغم البارود لقد
كان لطفي
دون مبالغة مثالا في الآداب والخلق الحميد وآية في الوطنية والاعتزاز بالانتماء إلى
الجزائر الخالدة ونكران الذات وخلاصة لتأصيل ثقافة أمة
غيورة على ماضيها متوثبة نحو مستقبلها، رصينا كما يكون الحكماء، لبقا
وأنيقاً
موفقا، متسامحا وشجاعلا
يلين أمام الحق قائدا مبرزا قلما عرف التاريخ
مثيلا له كفئا متعدد المواهب، جمع بين حنكة السياسي
الحاذق ورصانة ونباهة القائد العسكري المسؤول بما تقتضيه
المسؤولية من خصال لا تجتمع إلا عند القليل وكأنهم خلقوا لها ومن
أجلها، وفوق كل ذلك فلطفي واحد من سدنة الثورة وحواري الوطن.



قد
يتساءل الشباب عن قيم نوفمبر، ومن حقهم أن يتساءلوا كذلك عن وفائنا لمن
قضوا نحبهم
ورحلوا عنا بلا رجعة إلى يوم الدين فنحن
لا نتغنى
بالأمجاد وإن كُنا لازلنا نعتز بهم وقد تبدوا لهم قِيما عفا عنها الزمن
لحقيقة
مطالب اجتماعية موضوعية كالشغل والسكن والعيش الرغيد خالية من الاعتبارات الرومانسية والروحية
المتأتية من فهم جواني أو صوفي للوطنية، إننا نقدر أحكام كل مرحلة تاريخية ونتجاوب مع
متطلبات الحضارة العصرية وحركيتها ولكنه
للتاريخ حقوق علينا.



إنّ
الجهل بتاريخ الأفكار هو جهل بتاريخ الأمم وهي الظاهرة التي تجسدت كوقائع
في حياة
شعبنا هذه السنوات بحيث قد تم القفز على
جملة من الأفكار المفاتيح وانسحبت رؤية دونية على بعضها الآخر مما دفع
بمظاهر
الانحراف والتشويه والانزلاق بلغ حد الاستخفاف بقيم مفصلية في
الثقافة الإستراتيجية لشعبنا، فبسبب تخلف
مجتمعاتنا العربية والإسلامية، وتوقف حركة الاجتهاد
الإيجابي من قبل علماء الدين وتأخر ظهور حركة معقولية لا تنحبس عند مظاهر الفهم وقشور المعاني فتبلد
العقل وانتكس الذوق فطفت فقاقيع الشعوذة والتشويش والشّقْشَقة الفارغة
واستأسَد
دعاة الجهل والرجعية والظلمات. كل يفتي ويستفتي بما لا علم له به وبما لم
ينزل به
الله من سلطان. وهكذا تشابهت الطرق على الجميع وتعطلت البوصلة، وحل الزيغ
محل العقل،
والغلو مكان التسامح حتى بلغ السيل الزبى
واستيقظت الفتنة الكبرى والفتنة أشد من القتل. وقد
طابق هذا الغلو زمن دعاة وانحلال خلقي في السلوك والتفكير وتم التآمر على
الوطن من
الداخل والخارج واندفع أناس يخربون بيوتهم بأيديهم حسبنا الله ونعم الوكيل.
لقد
حان وقت المناجاة يا أخي لطفي وأنت من الشهداء الذين قتلوا في سبيل الله
فماهم
بالأموات ولكن أحياء عند ربهم يرزقون. لقد عاهدنا الله ودم الشهداء أن نعيد
المواطنين الوطنيين إلى حظيرة الوطن
والتزامنا في إطار احترام القوانين وإرادة الشعب التي
ما دامت صادقة فلا
ترد عند الله بإذنه. وعقدنا العزم على استئصال جذور الإجرام والتخريب
والفساد
وعاهدنا الشعب على
العمل من أجل إعادة لمعان صورة الوطن الحبيب عند الناس في مشارق الأرض
ومغاربها،
فسر الصديق والشقيق وانتكس الأعداء والمتربصون بالسوء، ستقوم لا محالة يا
لطفي
قيامة أخرى لبلدك الآمن هذا وستتفتح الأزهار
من جديد وتنشرح الصدور وإذا الذي بينك وبينه عداوة
كأنه ولى حميم، لا تحزن يا أخي إن الله معنا. ولا تلمني يا
شقيق الروح يا أخي لطفي لم أنتسب بعد إلى الله مثلك.



لا
تلمني إذا الدنيا أكلت من حشاشة قلبي فمشيت في مناكبها ناصبا لا ألوي على
شيء غير
أني أبتغي رضوانه وعزة الوطن. لا تلمني يا عزيزي إذا الله ابتلاني بحب
الجزائر
مثلك فدعوت في خفر كما إبراهيم عليه السلام [أن ربي آتِني رُشداً وأجعل هذا
البلد
آمنا وارزُقه من
الطيبات]. أيّها الخالد في فنائي إني
والله آنست ما تبقى من رضاب الذكريات معك إني والله قائم في الوفاء ما حييت على أديم الفناء.



أيّها
الراحل كل الرفاق يذكرونك بحسن المناب، مجاهدا وقائدا فذا دانت لك الفضائل
كلها،
فأنت في الحركة الوطنية مناضل، وفي العلم والثقافة ألمعى، وفي الحروب
والنزال لا
بشق لك غبار، وما الشجاعة والمجد إلا بما تأزرت وفى السياسة ما رضيت بغير النجوم
منزلا فكنت لا ترى الجزائر إلاٌ من بوابات المجد والنهي.



أيّها الراحل
هكذا يذكرك
الرفاق بما عرفوك عليه من شيم الرجال، أما أنا فإني لاجئ إلى صمت القلب يعصمني من جذوة الذكريات وحرقة
الوجد تعودونعود
وتتكرر بلوعة أكبر في كل سنة يبتعد فيها طيفك عنا وتقترب جذوة ولنيتك منا
وكم نحن
في حاجة إليك ولأمثالك في هذا الزمن الرديء فقد عرفتك طفلا يافعا ورجلا
طالب علم
وحامل رسالة الوطن مجاهدا وقائدا ومثقفا نبهاً. أيّها الراحل أنت أكبر من
كل ذكرى
ومن كل رثاء وأنا اليوم أفقر الناس لحبك والدعاء [ربى أوزعني
أن أشكر نعمتك بما قد أكرمتني فارفقني برجال عاشوا
للحق وماتوا وما بدلوا تبديلاً]، رحمك الله يا لطفي ورحم الله رفيقك في
الشهادة أخي
ومحبي فراج رحمالله
كل شهداء الجزائر وأسكنهم جنات الفردوس بما تكرموا على الوطن والشعب. أما أنت يا لطفي مرة أخرى لقد اخترت فصل الجمال
لترحل عنا بعيدامستهينا
بالدنيا وزخرفها، أفلا في عبير الخلود هلا تلطفت يا أخي بكرامتك على جيل
وأجيال
جديدة تفرقت بها السبل، تريد منافستك ولكنها لم تهتد كما اهتديت إلى أقوم
السبل،
بئس المفارقات، بل ثكلت الأمهات إذا لم تلدنا رجالا يعيدون للوطن مجده
الضائع
ويعممون الأمن والاستقرار بالوطن ويدفعون التحدي في زمن دينه السرعة
ونواميسه لاقتصاد
لا يرحم المتقاعسين ولا يحمى المغفلين ولا ينتظر المتخلفين وأما أنتم يا
شهداءنا
الأبرار فلا أنتم من هؤلاء الذين ذكرت ولا أنتم أولئك الذين لم أذكر فأنتم
فوق
النهي وفوق الحدود.



وذكّر الجميع بمناقب أخيه
الشهيد
العقيد مصطفى بن بولعيد




أيّها الشقيق الأكبر،



أيّها الروح المترائي سرمدا بين القطوف
الدانية،



أيّها المصطفى، أنت قائم فينا أبدا شغفا ووجدا
ومشربا عذبا.



ما أمهلتنا يوم الرحيل لما تصدقت علينا بما بقى
لك من قطرات دم.



ما أمهلتنا أيّها المصطفى، قيد سجدة واحدة على
قمم الأوراس نودعك فيها.



أنت الكاتب وأنت القائل بكل اللغات،
نشيدنا إلى النصر قبل البدايات والنهايات.



لقد اعتصمت بالحق مذ رأت عيناك الحياة في أرضنا
الطيبة. فعشت، ومت من أجل جزائر كما تريدها لا كما يريدها الجبناء. مازال
بعض
الرفاق ممن تعرف يذكرون طلعتك البهية وابتسامتك الطافحة بالحنان. مازال
بعضهم
يذكرك طفلا، ويافعا تدفع الأذى بين الرفاق، وتطفئ نار الحميات التي يذكيها
الاحتلال،
بسديد رأيك وقولك الترياق.



مازالت الوهاد، والتلال والصحارى والسجون
والمنافي تذكرك. فكلما إدلهمت الدنا في عيوننا سألنا أنفسنا عنك.



أيّها الجمع الكريم، أحسب نفسي خير ممن يتحدث
عن قائدنا الرمز مصطفى بن بولعيد، طيب الله ثراه في هذه الذكرى الرابعة
والأربعين
لاستشهاده. لقد نشأ عاصما نفسه، إلا على حب الجزائر نموذجا للإنسان عفة
وصدقا
وطهرا، ما كانت الوطنية فيه نحلة أبدا بل كأنها لحما ودما. فأنت الواهب ما
ملكت
يمينك أيّها المصطفى أنت القائم في زكاتك على العطاء. أنت المتصدق بأسرتك،
مانحا
للوطن فلذات كبدك. أنت المتسول بدمك من أجل حرية وعزة وطنك. أيّها العزيز
القائم
فينا أبدا كل الأفعال لو صرفتها جاءت جازمة مجزمة أنك الفتى المصطفى. أما
ما تبقى
من السرد تفاصيل وما فضل من الكلام تآويل. لقد توحدت في مسعاك حتى أنك عشت
في كل حبة
رمل وقطرة ماء وهبة صبا. لا أحسب نفسي أيّها الإخوة الكرام، أني ساير أغوار
شخصه
العظيم فقد كان رحمه الله أمة بمفرده. ولا أزعم أني ملم بمكنون مآثره
وخصاله
الحميدة. فنفسه كانت وقفا على خدمة الوطن وقلبه وعقله وبدنه وماله كلها
ودائع
أسلمها بأمانة لفدية الوطن، فالمصطفى من معدن الرجال الذين يؤمنون بأن
الحياة موقف
وأنه خلق وعاش من أجل أن يسائل نفسه ما الذي قدمه لوطنه ولا أن يسائل الوطن
عما
قدمه إليه. فقد كان كما كان عثمان ذا النورين، يفتدي الإسلام بروحه أولا
وبماله
ثانيا، هكذا كان مصطفى. وفضلا عن ذلك، فقد حباه الله بمواهب وفضائل يقصر
الكلام عن
وصفها. فكان طيب السريرة، حسن المعاشرة، ذا سمعة ومهابة يدق البيان عن
رصدها، واسع
الصدر، متيقظ العقل، فطنا ذكيا وشجاعا فضلا عما خلعه عليه بارئه من بردة
الزعامة،
وقوة الشكيمة في قيادة الرجال وتدبر المواقف. إن هذا المورد الفاضل عزز
لديه فعل
نسيج متفرد من العمل الوطني قبل وإبان ثورة التحرير المباركة، من إصلاح ذات
البين
بين الناس إلى فعل الخير والإحسان به حد المكرمة، إلى تصليب عود الرجل،
واستقطاب
جوارحهم إلى نصرة الوطن والحق، إلى توريد الأسلحة وجمعها وتخزينها وتدريب
الرجال
عليها حتى لما استأثرت عيون المحتل بخبايا ومخافر المنظمة السرية سنة
1950م. أفلحت براعة بن بوالعيد ورفاقه بالأوراس في
الذود عن بعض معاقل الرجال والسلاح فلملم أوراس جناحيه كما رد جبار ليحنو
على
الثوار حتى جاء يوم الفصل، يوم أن قرع القدر الأبواب.



أيّها الإخوة الأعزاء، إن له من المكارم ما قد
تطوحنا فتأخذ بمجامع القلب منا وتلك فضائل الرجال يؤتيها الله من عباده من
يشاء.
فأمام ذلك النصر، وذلك الدرس المشفوع بالإبداع والحكمة والفضائل، انهزم
العدو
فتدحرجت نفسه في سلم القيم ليغدر بذلك الفارس الهمام.. ولله في خلقه شؤون!



قال أمير السيف والقلم عبد القادر بن محي الدين:




"من لم يمت عندنا بالطعن
عاش مدى فنحن أطول خلق الله في العمر"



إن بلدا جمع شمائل الدنيا وتوسط الماء وتوسد
الفحص والجبال والصحراء وتحللت في كيانه حضارات المحدثين والقدماء. إن بلدا
بمثل
هذه الشمائل يطل على العالم من بوابات المجد والعطاء. لكن المجد كل المجد
والسيادة
كل السيادة وكذا مشروع إعادة ترتيب ذاتنا الحضارية في بورصة العالم الجديد
تبدأ من
يقظة الفلاح فجرا فيمم وجهه شطر حقله يهرق عليه عرقا فتهمو عليه الأرض خيرا
عميما.
تبدأ من إعتقاد عامل في متجر أو معمل أو مصنع أو إدارة... بأن شرفه وكرامته
ومستقبل أبنائه في أداء واجب العمل كاملا. وأن حياته خيانة ولصوصية إذا لم
ينم
وضميره مستريحا بأن ما قدمه من جهد يساوي أو يتعدى ما يحصل عليه من أجر.
تبدأ من
نقلة وعي في ذات المعلم والأستاذ والباحث والطالب والتلميذ بأن العلم
والمعرفة هي
الناموس المقدس الذي أخضع له الله عالم الغيب والشهادة، ولما ألقى الله
خطابه
الأزلي على رسوله صلى الله عليه وسلم ليبلغه للعالمين افتتحه بقوله: اقرأ.



أيّها الأعزاء، لقد أجمع بعض العلماء على أنّ
الإنسان العظيم هو الذي يأكل عقده ويصعدها إيجابا، كذلك نحن ممن يعتقد بأن
دورة
التاريخ ستعمل لصالح شعوبنا بعد أن نحدث ذاتيا نقلة الوعي فكما تمكن قائدنا
مصطفى
بن بولعيد ورفاقه بالأمس من إحداث تلك الطفرة الخالدة في إعادة صياغة
تاريخنا
الوطني والإقليمي سيحدث أبناؤهم وأحفادهم طفرة أخرى لمواجهة ألفية ثالثة.لا
يسعني
إلا أن أنحني إجلالا أمام طود الأوراس الأشم إبن الجزائر البار مصطفى بن
بولعيد
رحمه الله وأسكنه فسيح الجنة ورزق أسرته وأبناءه الخير والسداد.



وعدّد مناقب الأخ الشهيد
محمد العربي بن مهيدي




...إنّه من
باب الإعجاز بمكان التذكير بمناقب رجل هذه الذكرى، إنه من الصعوبة بمكان الحديث في عجالة عن القائد الرمز والمنظر
الحكيم والمجاهدالمقاتل،
والشهيد الطاهر محمد العربي بن مهيدي رحمه الله وطيب ثراه وأسكنه
جنات الخلد.



إن
المتتبع لمسيرته منذ طفولته وحتى استشهاده يدرك بعمق أن هذا الرجل كان هبة من الله قد أودع فيه من الذكاء والشجاعة
والصدق والأمانة
وحب الوطن ما لم يودعه في غيره إلا نادرا والحق ما شهدت به الأعداء
فاسألوا إن شئتم عنه بيجار ولا يزال على
قيد الحياة لقد انبثقمحمد
العربي من هذه الربوع في عائلة فاضلة وفي مجتمع ثائر عن الظلم والاحتلال،
وشب على الطهر
والصفاء وحب العلم وأظهر منذ الوهلة الأولى نبوغا في تحصيل المعرفة والعلوم فأدرك بحدسه الوثاب أن التصدي
للمحتل أكبر من أن
يعتمد المرء على النضال التقليدي في التجمعات والصالونات وتدبيج البيانات وهو الأمر الذي أدركه بن مهيدي لما أختار
أن يكون مناضلا
بحزب الشعب وحركة انتصار الحريات الديمقراطية، وأن يكون واحدا من المؤسسين الأوائل
للمنظمة الخاصة الجناح المسلح للحزب، ولا نبالغ إذا قلنا أن بن مهيدي سابق
عصره بلجوئه إلى أساليب
حديثة في مواجهةإستراتيجية
العدو، بحيث كان كشافا ومناضلا وسياسيا ورياضيا ورجل قلم ومسرحيا
ومثقفا وقبل كل شيء جنديا وقائدا محنكا.
إن الجمع بين هذه المواهب المتعددة وهذه التخصصات هي جزء من إستراتيجية بن مهيدي في التصدي لمنظومة الاحتلال المدمرة.
وصدق
رفاقه في النضال لما كانوا يطلقون عليه اسم الحكيم والله يوتى الحكمة من يشاء ومن
أوتى الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا.



نعم،
لقد كان بحق حكيما وتشهد عليه تنبؤاته ورؤيته الإستشرافية التي دوخت
العدو فهو القائل: (( ألقوا
بالثورة إلى الشارع، يحتضنها
الشعب))،
وهو القائل: ((طلبنا
من
الشعب الثورة فأهدى لنا عرسا))،
وهو القائل لجلاديه وحتى في لحظات
الاحتضار: ((لكم الماضي
المظلم ولنا المستقبل المشرق)).
إنّ المعنويات الجبارة التي نفخها
المجاهدون الأوائل من أرواحهم في كيان الثورة تواصل
دفعها، يشحذ الهمم ويشد الأزر
ويعلم الرجال فلسفةالتحدي
وإرادة المواجهة إلى أن استعادت الجزائر مصيرها واستردت سيادتها وحققت عزها بنصر مبين. وقد
كان لابن مهيدي، كما
كان لكل واحد من رفقائه دورا بارزا إذ قلما يذكر اجتماع إبان
الحركة الوطنية، أو نشاط هام
أو مهمة صعبة، وكذلك قلما يذكر موقف رشيد، أو عمل
خطير في الثورة
التحريرية، إلا ولمحمد العربي بن مهيدي
فيه نصيب، فقد أعطى بحياته درسا في الاستئثار بالحق
وأداء الواجبوأعطى
باستشهاده درسا أبلغ في الحلم والإيثار عن النفس بل والموت من أجل الآخر. كم كانت رؤية
بن مهيدي رحبة وكم كان فهمه للوطنية ونبذ الجهويات نافذا، وكم
كان مدرسة تعلم الأجيال كيف
نحب الوطن، وإن تمت إرادة الله فكيف تهدى الحياة
إلى الوطن بسكينة ووقار
وإيمان وعزة لا تقهر. ولد وترعرع بمنطقة الشرق الجزائري، ولكنه حمل الجزائر
في
قلبه وهربها كحلمه الأبدي في كل مكان، فلم يعترف بحدود
الجهوية الضيقة ولم يعر حواجز العدو
ومصالح استخباراته اهتماما، ولم يسقط في حلبة المتصارعين
على المصالح
والمناصب والتشريفات. كان يؤمن بالوطن إيمانا لا يتزعزع ولا يتضعضع بقضاء
وقدر الله،
فواجه الموت بالموت وأشعل النار على جنرالات العدو، وقال لهم فيما بعد
لما اعتقلوه: ((إذا كنتم
تتهموننا بتفجير
القنابل التقليدية ضد جنودكم

وضباطكم
فلتعطونا طائراتكم ودباباتكم ونعطيكم بدورنا
قنابلنا اليدوية لنرى كيف تتوازن المعركة..))؟




لقد
نبأتكم سلفا أنه من الإعجاز الحديث عن هذا الرجل وأمثاله إنه باختصار بطلا وليدا لعبقرية شعبنا وملحمة أمة بأكملها وضمير
ثورة عملاقة وعصارة تاريخ مجيد.



لكن
ماذا بقى لنا اليوم من مواعظ ودروس نستشهد بها عند الضرورة من سيرة هذا
الرجل. حقيقة ما كان للجزائر
أن تكبو أبدا لو حافظ بعض ساستها على القيم والمثل التي عاش من أجلها العربي بن مهيدي ومات من أجلها،
ما كان لظواهرمشينة
كالفقر والأمية والفساد على اختلاف وجوهه والإرهاب المدمر والتقاعس
والاختلاس.. ما
كان لذلك كله أن يستفحل في بلادنا وينخر جسمها كالسرطان لو أننا تشبثنا حقا
بقيم
نوفمبر والتزمنا بعهد الشهداء. لكن
هيهات... لقد نسينا فانحجبت عنا الأنوار وعسعس الظلام
إلى حين، فكماقيض
الله بالأمس رجالا لنصرة هذا الوطن وتحريره، بل وإحيائه بعد موته كذلك سيقيض
له رجالا مخلصين
يدفعوا عنه بلاء العصر ويزكوه من أرواحهم وأجسامهم ويعطوا المثل الأعلى
للأجيال الصاعدة التي هبت
تدافع عن وحدة الوطن وحياة المواطنين وأسس الدولة
وقوانين الجمهورية. ها
نحن في مرحلة حصحص فيها الحق وزهق الباطل وعاد فيها الوعي وانتفض فيها
الضمير
ليقول الشعب كله... نعم للمصالحة الوطنية، نعم لرأب الصدع، نعم للسلم
المدني، ونعم
لبناء الجزائر وصيانة هيبتها أمام الأمم. فرغم الدماء ورغم الدموع ورغم
الخراب
الذي لحق بالوطن فإن أمانينا أكبر من
كل ذلك وإرادة أبنائنا إن شاء الله ستكون قوية
موجهة للتنمية وتحقيق مآرب الأمة.



إنّ
الأمم ذات الرصيد التاريخي الكبير قد تهزها العواصف وأعاصير، ولكن لا
تقتلعها من
جذورها. ونحن أمة
رسالة في تاريخنا وديننا الحنيف وتجارب أسلافنا، لنا رصيد من الفضائل والمثل والتجارب ما يؤهلها للفوز
بمعركة الغد، فسننتصر بإذن الله ونساهم في صياغة
معادلة المستقبل بما ينسجم وإرادتنا الخيرة في الحياة وبما يتواءم
ومكانتنا الجيوسياسية الهامة. (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
رِجَالٌ
صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ
وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا)

الأحزاب: ٢٣
صدق الله العظيم



رحم
الله شهداءنا وأسكنهم جنات الفردوس. وفقنا الله في خدمة الجزائر، المجد
والخلود
للشهداء، والسلام عليكم. والله ولي التوفيق، وتحيا الجزائر.



المجاهد
عبد العزيز بوتفليقة


من
موقع رئاسة الجمهورية الجزائرية
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
جيل نوفمبر رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه...
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات مدارج السالكين :: المنتدى العام-
انتقل الى: